آخر المنتجات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات المذاهب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المذاهب. إظهار كافة الرسائل


دراسات في المذاهب الأدبية الحديثة(1) :
مما لا ريب فيه أن الأدب العربي الحديث اتصل بالأدب الغربي قديمه وحديثه اتصالاً وثيقاً، وتأثر به تأثراً بالغاً قد يفوق تأثره بالأدب العربي القديم، كل ذلك عن طريق الاقتباس والتعريب والترجمة، واطلاع الأدباء العرب على الأدب الغربي في لغاته الأصلية، ويظهر ذلك من استحداث فنون أدبية جديدة في أدبنا العربي الحديث، أخذناها من الأدب الغربي كالملاحم والمسرحيات الشعرية، والمسرحيات التراجيدية والكوميدية.. وتقليد المذاهب الأدبية، كالكلاسيكية، والرومانتيكية، والرمزية.. وقبل أن ندخل في دراسة هذه المذاهب كل مذهب منها على حدة، ونلم به في شيء من التفصيل والبيان، لابد من الإشارة إلى أن النهضة الأدبية الأوروبية سعت منذ بزوغها إلى استلهام الأدب الإغريقي واللاتيني، وترسم منهجه وخطاه، واستغرقت في دراسته واستظهاره آثار أفلاطون.. وأرسطو، وهوميروس، وسوفوكليس، وشيشرون وغيرهم، وفي ظل هذه العناية الفائقة بآثار اليونان والرومان نشأ في أوروبا أول مذهب أدبي هو "الكلاسيكية"، ولكن هذا المذهب لم يكتب له الذيوع والانتشار إلا مدة محدودة، إذ قامت في إيطاليا وألمانيا وإنجلترا انتفاضات على هذا التقليد، وتمرد على تلك التبعية لآثار الإغريق والرومان، وبخاصة إذا عرفنا أن هذه الأقطار وأقطاراً أخرى كانت تسعى نحو الاستقلال والوحدة، وتنشد أدباً ذاتيا يعبر عن آمالها وآلامها وأفراحها وأحزانها، وهذا ـ بالطبع ـ أفضى بها إلى استحداث مذاهب أدبية جديدة غير الكلاسيكية. ولعل القارئ أدرك بنفسه الآن أن هذه المذاهب نشأت نتيجة لحالات نفسية وأوضاع اجتماعية سادت أوروبا.



ولن نستفيد من تلك المذاهب في أدبنا إلا إذا أحطنا بهذه الحالات والأوضاع، وألممنا بتلك الظروف التي نشأت في أحضانها، وهي ظروف تختلف اختلافاً بيناً عن ظروفنا وحاجاتنا الروحية والنفسية.
وبعد هذه التوطئة التاريخية يحسن بنا أن نتحدث عن هذه المذاهب مراعين في ذلك ترتيبها الزمني.


الكلاسيكية
مر بنا منذ قليل أن الكلاسيكية أول مذهب أدبي، نشأ في أوروبا بعد الحركة العلمية والنهضة الأدبية التي سادت أوروبا إبان القرن الخامس عشر من الميلاد، وتعد فرنسا الموطن الأول الذي نشأت فيه الكلاسيكية، ونمت وترعرت، ويحدد "لانسون" فترة وجودها في الأدب الفرنسي من عام 1549م حتى عام 1615م، ووضعت أصولها وقواعدها وأسسها حوالي عام 1630م، وذلك بظهور طائفة من زعماء هذه المدرسة من أمثال: شابلان، وأسكديري، والناقد بوالو.
والكلاسيكية في معناها اللغوي مشتقة من الكلمة اللاتينية: "كلاسيس Classis، وتطلق في الأصل على مجموعة من السفن الحربية أو التجارية،أي : "وحدة في الأسطول" ، كما تطلق ـ أيضاً ـ على: "الفصل الدراسي"، ويترجمها الأستاذ أحمد حسن الزيات بـ: "الاتباعية"، ولعل في ترجمته لها شيئاً من التجوز، وبخاصة إذا عرفنا اشتقاقها اللغوي، ولكنها ـ على أية حال ـ أدق معنى وأصدق دلالة من تفسيرها بالقديم أو التليد. أو ما رادف هذين من ألفاظ لسبب بسيط، وهو أن الاتباعية فيها إلماع إلى المنهج الذي تقيدت به الكلاسيكية كما سيأتي.
وعندما ظهرت الحركة العلمية في أوروبا، وذلك بعد نزوح علماء بيزنطة وأدبائها إلى إيطاليا، حاملين معهم المخطوطات الإغريقية واللاتينية القديمة، أخذ الأوروبيون يعملون على نشر تلك المخطوطات ودراستها، واستنباط خصائصها وقواعدها تلك التي أكسبتها الخلود والبقاء، مستضيئين في ذلك بكتابي أرسطو المشهورين: "الخطابة" و"الشعر"، وبقصيدة هوراس الشاعر الروماني الطويلة المسماة: "فن الشعر".
فالتراث اليوناني والروماني في الأدب والفن بصفة عامة هو التكئة التي اتكأت عليها الكلاسيكية منذ نشأتها، ومنه استمدت أصولها ومبادئها. ولكن يجب أن لا يغرب عن البال أن الأصول النظرية التي وضعها أرسطو هي التي تعد في نظر الكثيرين أصل الكلاسيكية، ومن المعروف أن أرسطو لم يتطرق في كتابه: "الشعر"، إلا إلى الملاحم والدراما، واهتم بالأدب التمثيلي بفرعيه: التراجيديا، والكوميديا.
وبذهب بعض الباحثين بناء على هذا إلى أن أغلب الأصول الفنية التي تعصبت لها الكلاسيكية كانت في الواقع الأصول الخاصة بالدراما والتراجيديا، بحيث نستطيع أن نقول: إن أصول الكلاسيكية تنحصر في الأدب التمثيلي، وهو الأدب الذي انصرفت إليه جهود الكلاسيكيين، وتميزوا به. ومن الخير أن نشير إلى تلك الجهود اللغوية، ومن ثم الجهود الفلسفية التي ساعدت على تأصيل هذا المذهب واكتماله.
في القرن السادس عشر من الميلاد تألفت جماعة من شعراء فرنسا بزعامة الشاعر: "روتسار 1524 ـ 1585م"، أطلقت على نفسها جماعة: "الثريا"، وعملت على إحياء اللغة وتجديد أساليبها، ومحاكاة النماذج العالية من أدب اليونان والرومان، وأصدر الشاعر "دي بللي" أحد أعضائها كتابه "دفاع عن اللغة الفرنسية" عام 1549م، هاجم فيه أولئك الذين يكتبون إلى الشعب الفرنسي باللاتينية، ويتجاهلون لغته التي تميزت معالمها، ونادى بالانصراف عن الموضوعات الشعرية التافهة، كالأدب الكنسي وأدب الفرسان، وضرورة الإقبال على الموضوعات الشعرية الجليلة التي أقبل عليها الإغريق والرومان.
ثم أتى بعده الشاعر الكبير "ماليرب 1555 ـ 1628م"، وكان له أثر بعيد في تهذيب اللغة وتطويرها، وامتاز شعره بالفخامة، والجزالة والرصانة، وإحكام النسج، واختار لشعره موضوعات جليلة ذات طابع إنساني، ولم يسمح لعاطفته الجياشة الفياضة أن تطغى على شعره، بل لاءم بينها وبين عقله، واستخف بما عمله "رونسان" وجماعته من الدعوة للأخذ باللغة الشعبية، وإغنائها بألفاظ جديدة، مبتكرة، أو مقتبسة. والأدب عند "ماليرب" إلهام وصنعة وموهبة ومعاناة، وهو يرى ـ أيضاً ـ أن لكل انفعال عاطفي أو نفسي وزنه ونبرته. وقد أعجب بهذه المعاني ورددها الشاعر والناقد الفرنسي الكبير "بوالو ـ 1636 ـ 1711مـ، في قصيدته الطويلة: "فن الشعر"، التي حاكى فيها هوراس في مطولته: "فن الشعر، أو خطاب إلى آل بيزون" ، وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نعد الشاعر "ماليرب" من رواد المذهب الكلاسيكي، في حين أن ما عمله رونسار وجماعته يعد في صميمه انشقاقاً على هذا المذهب.. ولو أن "رونسار" حاول أن يحيي فن الملاحم ـ وهو جزء من تراث الإغريق الأدبي ـ وذلك بإنشاء ملحمته المسامة "الفرنسياد"، التي يقص فيها البطولات وأعمال التضحيات التي أتى بها "فرانسوا" الأول في غزوه لإيطاليا، بسبب أن محاولته الملحمية تلك فشلت، بحيث لم تجد رواجاً بين الناس، حيث إن عصر الملاحم ـ فيما يبدو ـ كان قد ولى، الأمر الذي صرفه وصرف جماعته إلى الشعر الغنائي، والمناداة بأخذ لغة فرنسية جديدة مستقلة عن اللاتينية، ولا شك أن هذا بعيد كل البعد عن روح الكلاسيكية ومبادئها، لما سبق أن ذكرنا أنها تنحصر غالباً في الأدب التمثيلي.
وفي سنة 1634م أنشأ الكاردينال "دي ريشيليو" وزير الملك لويس الثالث عشر المجمع اللغوي الفرنسي، وقام هذا المجمع بوضع قاموس لغوي ترسم فيه خطوات الشاعر "ماليرب".
هذا عن الجهود اللغوية. أما الجهود الفلسفية، فتتمثل في جهد فيلسوفين عظيمين، رسما للأدب بفلسفتهما اتجاهاته الفكرية ، بعده فنّا له في الحياة الإنسانية رسالة سامية ، وآراء هذين الفيلسوفين تعد الوجه الحقيقي للكلاسيكية، وصنعت فلسفتهما وعاءً فكرياً نظرياً مجرداً لتحديد مسار هذا المذهب، والفيلسوفان هما "ديكارت 1596 ـ 1650م"، و"باسكال 1623 ـ 1662م".
ففي سنة 1637م أصدر "ديكارت" كتاباً في الفلسفة بعنوان: "خطاب في المنهج"، وفيه يقرر عدم التسليم بشيء ما لم يوضع تحت مجهر العقل، فيفحصه ويتحقق من وجوده، وذهب أيضاً إلى أن العقل هو الموصل الوحيد إلى الخير والمعرفة، وما يرفضه العقل يجب علينا أن نرفضه، وهو في هذا يذهب مذهب المعتزلة، الذين يحكمون عقولهم فيما يعرض لهم، وهو صاحب المبدأ المشهور "أنا أفكر، فأنا إذا موجود"، ومبدأ "الشك أساس اليقين". وإنصافاً للحقيقة التاريخية لابد من أن أشير إلى أن مبدأ "الشك أساس اليقين"، كان أحد المبادئ التي بنى عليها المعتزلة مذهبهم، وعنه صدرت ما أثر عنهم من مناظرات ومجادلات ـ كما هو معروف ـ في "علم الكلام"، وقد طبق الجاحظ هذا المبدأ تطبيقاً عمليا في كتابه المشهور "الحيوان"، وبه أخذ الدكتور طه حسين في دراسته للشعر الجاهلي.
فالعقل عند ديكارت يكبح أهواء النفوس، والنزعات الضارة، والإرادة تدفع إلى العمل الخير النافع. ولقد تأثر كثير من الأدباء في إنتاجهم الأدبي بفلسفة ديكارت، ويرى النقاد أن ذلك ماثل بصفة خاصة في مآسي كورني.
وكما اعتمد ديكارت على العقل، فإن باسكال اعتمد عليه أيضاً، فالعقل عنده نقطة البداية، كما أنه نقطة النهاية، ويبدو ذلك واضحاً في كتابيه "الريفيات" ، و"الأفكار"، وقد امتاز بأسلوب منطقي ساحر جذاب ـ وبخاصة في كتابه الريفيات ـ وهذا ماجعل فولتير "1694 ـ 1778م"، يثني على هذا الكتاب، ويصفه بأنه نموذج حي من سطوة المنطق، وحرارة العاطفة، وكان موضوعياً في كتاباته، يسعى إلى تمثيل الحق والخير والجمال، وهذا المذهب هو الذي قامت عليه الكلاسيكية، وباسكال في أدبه ينحو منحى أرسطو اليوناني، وهوراس الروماني، في حين أن الأدب يجب أن تتوافر فيه الفائدة واللذة الفنية.
ثم ماذا عن الكلاسيكية من الناحية الفنية بعد أن ألممنا بها من الناحية التاريخية، ثم هل تقيد الكلاسيكيون بالموضوعات والأصول الفنية التي وضعوها؟ هذا ما أحاول الإجابة عنه الآن :
بالنسبة للأصول الفنية يمكن إجمالها في النقاط التالية:






مر بنا في موضع سابق أن الكلاسيكية اتجهت نحو الأدب الموضوعي، وهذا يشمل فيما يشمل القصة والمسرحية، ولكن لما كان اليونان والرومان لم يتركوا قصصاً، بل تركوا مسرحيات، فقد توافر الكلاسيكيون على الفن المسرحي يكتبونه شعراً، والتزموا بالاتجاه اليوناني والروماني القديم، من حيث الأصول العامة، والموضوعات وطريقة المعالجة، واختيار الشخصيات، بل لقد جمدوا من حيث بقاء مسرحياتهم على ما سموه "مشاكلة الحياة" ؛ لأن المسرح عندهم لا يعدو أن يكون مجهراً للحياة أو مرآة لها، وقد اقتضاهم ذلك أن يتوافر لمسرحياتهم ما سموه بالوحدات الثلاث: وحدة المكان، ووحدة الزمان، ووحدة الموضوع. ولهذا فإن مسرحياتهم لا تتناول حياة شخصية بأكملها، بل تتناول أزمة محددة في حياة تلك الشخصية، وورثوا أيضاً عن الإغريق والرومان تقسيماً دقيقاً لفنون المسرح تقيدوا به والتزموه، ففنون المسرح عندهم تنقسم قسمين:


ولكن هذا التقسيم الكلاسيكي، والتقيد به لم يدم طويلاً، بل أخذ في التضعضع، ثم في الانهيار بفعل تقدم الإنسانية، ونمو ثقافتها، وتغير أوضاعها الاجتماعية، وأنكر الأدباء والمفكرون على الكلاسيكية أن تلتزم في الفن المسرحي المأساة والملهاة فقط، واحتجوا بأن الحياة في صميمها ليست مأساة، وليست ملهاة، وإنما يبكي الناس ويضحكون في أزمات أو فترات طارئة، لذلك ربما وجدت مسرحيات لا تبلغ حد المأساة كما لا تبلغ حد الملهاة، لذلك نشأت ما أطلقوا عليه الدراما الدامعة، وهي بالطبع غير مفجعة، ولا محزنة، وما سموه أيضا بالماريغودية، وهي تقوم على الدعابة المهذبة والنكتة اللطيفة.
وإن كان الأدباء لم يحطموا الكلاسيكية تحطيماً كاملاً، فإنهم توسعوا في موضوعاتها، ولم يتقيدوا بجميع أصولها، أما انهيارها وتحطمها وسقوطها، فحصل بعد ظهور الرومانسية، وذلك في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد ترددت في أدبنا العربي لفظة الكلاسيكية وكلاسيكي فيقال: هذا أدب كلاسيكي، أو هذا أديب أو شاعر كلاسيكي النزعة بمعنى أنه قديم، أو يسير على نهج القدماء ويترسم خطواتهم، وبذلك تنطبق لفظة الاتباعية على ما نعنيه في هذا المقام.
وإذا أخذنا بهذا التفسير، فيمكن لنا أن نعد جميع الشعراء العرب القدامى كلاسيكيين، ولكن في هذا الاعتبار شيء من عدم الدقة، إذ لا ينطبق هذا الحكم على أولئك الشعراء الذين حاولوا استحداث أوزان جديدة، أو لم يتقيدوا بما تقيد به العرب من مطالع القصائد، أو لم يحكموا عقولهم الهادئة المتزنة فيما ينظمونه من شعر، إذن فالقدم أو الحداثة لا يصلحان أبداً مقياساً نحكم بهما على هذا الشاعر بأنه كلاسيكي، أو غير كلاسيكي. وفي رأيي أن شاعراً مثل ابن زيدون أو مثل أبي نواس، أو مثل ابن دراج، أو أبي العتاهية، لا يمكن أن نطلق عليهم كلاسيكيين لاعتبارات فنية، فشعر الشعراء الثلاثة الأول أقرب إلى الرومانتيكية، والرابع لم يتقيد بأوزان العروض في بعض الأحيان.
على أن أدبنا العربي الحديث ظفر بمجموعة طيبة من الشعراء الكلاسيكيين، ويأتي في مقدمة هؤلاء من مصر: محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وإسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وعزيز أباظة، ومن العراق: محمد مهدي الجواهري، ومحمد رضا الشبيبي، ومعروف الرُّصافي، وعبدالمحسن الكاظمي. ومن سورية: شفيق جبري، وخير الدين الزركلي، ومن بلادنا: محمد بن عثيمين، وأحمد بن إبراهيم الغزاوي، وعبدالله بن خميس.
وتعد مسرحيات شوقي الشعرية، ومن بعدها مسرحيات عزيز أباظة، تقليداً أصيلاً للكلاسيكيين الأوائل، إلا أن تلك المسرحيات الشعرية إنما تكتب الآن للقراءة فقط دون التمثيل على خشبة المسرح، نظراً لسمو لغة الشعر عن أذهان الكثير من المشاهدين، ونظراً لما يقيد به الشعر المسرحية من قيود يمنعها من الحركة والتنويع والاتساع في عرض المشاهد.
والمجال لا يتسع لإيراد أمثلة شعرية كلاسيكية، ومن أراد الاطلاع على نماذج منها فليرجع إلي شعر أي شاعر من هؤلاء الشعراء الذين سبق ذكرهم آنفاً.

المصادر:






الهوامش
1 ـ محاكاة الأقدمين، وأول من أخذ بها الشاعر الفرنسي رونسار. 2 ـ الاعتماد على الصنعة والإلهام معاً في الأدب والفن، لأن اعتماد الأديب على الموهبة وحدها يحرمه من الأصالة الفنية التي لا تتوافر إلا بالبحث المضني في أغوار النفس. 3 ـ الاعتراف بسلطان العقل الواعي، الهادئ المتزن الذي يكبح الغرائز والعواطف الثائرة. 4 ـ إلتزام الحيدة في محاكاة الطبيعة، وإنطاق أبطال المسرحيات بما يدور في خواطرهم وعقولهم. 5 ـ الاتجاه إلى الأدب الجماعي الإنساني، وعدم اشتغال الأديب بأحاسيسه الخاصة ومشاعره الذاتية. 6 ـ جودة الصياغة اللغوية، والحرص على فخامة الأسلوب وجزالته من غير تكلف، ولا زخرفة. 1 ـ التراجيديا: وهي المسرحية الجادة النبيلة التي تثير الشفقة والخوف، وأسلوبها سام رفيع، وشخصياتها من الملوك والأمراء، وعند اليونانيين القدامى كانت شخصياتها من الآلهة، وأنصاف الآلهة كما يزعمون. 2 ـ الكوميديا: وهي مسرحية هزلية تثير الضحك توضع للتسلية، أو للنقد السياسي والاجتماعي، أو لتصوير العيوب النفسية والاجتماعية ومحاولة إصلاحها، وشخصياتها تؤخذ ـ غالباً ـ من عامة الشعب. 1 ـ الأدب ومذاهبه، للدكتور محمد مندور: 39 ـ 53. 2 ـ معالم النقد الأدبي، للدكتور عبدالرحمن عثمان : 152 ـ 162. 3 ـ الإسلامية والمذاهب الأدبية، للدكتور نجيب الكيلاني: 109. 4 ـ تاريخ الأدب العربي، لأحمد حسن الزيات، ص 217، الحاشية: 3. 5 ـ نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، للدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا، ص: 26 ـ 32. 1 . مجلة اليمامة ، العدد: 268 ، الجمعة : 3/8/1393هـ = 31/8/1973م، (اليمامة الثقافية) ، ص: 16ـ17 .



نص استهلالي: ورد في كتاب (في الأدب والنقد) للدكتور محمد مندور (1907/......) ما يأتي:''....ونقصد بالمذاهب الأدبية من الناحية النظرية المذاهب التي وضع أصولها الشعراء والكتّاب أو النقّاد وبيّنوا الأصول النظرية التي تقوم عليها .... وذلك لأنّ الحقيقة التاريخية هي أنّ المذاهب الأدبية حالات نفسية عامّة ولّدتها حوادث التاريخ وملابسات الحياة في العصور المختلفة, فجاء الشعراء والكتّاب و النقاد فوضعوا للتعبير عن هذه الحالات النفسية أصولا وقواعد يتكون من مجموعها المذهب . أو ثاروا على هذه القواعد والأصول لكي يتحرّروا منها وبذلك خلقوا مذهبا جديدا ". فما هي أهم

هذه المذاهب ؟ وما هي آثارها المباشرة على الأدب العربي ؟

المذهـب الكلاسيكـي Le Classicisme
1- تعريف المذهب
أ- لغــة:المذهب مصدر للفعل ذهب , فنقول: ذهب ذهابا وذهوبا ومذهبا, في المسألة إلى كذا؛ أي رأى فيها ذلك الرأي ؛ ونقول تمذهب فلان بالمذهب :اتبعه . والمذهب جمعه مذاهب وهو المعتقد و الطريقة والأصل,مثل مذاهب الإسلام الأربعة:المذهب الحنفي و الشافعي و الحنبلي والمالكي , لذا نقول: ذهب في الدين منها : رأى فيها رأيا.
ب- إصطلاحا:هي تلك الاتجاهات والمسارات الفنية والنفسية العامة التي تسببت في وجودها حوادث تاريخية وظروف حياتية عامة في العصور السالفة ،واتفق الأدباء والنقاد فوضعوا أصولا وقواعد للتعبير عن هذه الحالات النفسية ،فالمذاهب تيارات فكرية وفنية واجتماعية تعاونت الآداب العالمية على انتشارها وعكس كل مذهب روح العصر الذي نشأ فيه .
2- تعريف المذهب الكلاسيكي "الاتباعي"
أ- لغــة: كلمة- كلاسيكية- من حيث الأصل اللغوي مأخوذة من كلمة classis التي كانت تدل على معنى وحدة الأسطول ، ثم استعملت بمعنى وحدة دراسية أو فصل دراسي ، ثم أصبحت تطلق على مذهب أدبي محدد الصفات والخصائص وقيل :"إنها من اللفظة اللاتينية((classicus))" وتطلق على الطبقة العليا في المجتمع حيث كان المجتمع في أوربا ينقسم إلى 6 طبقات أعلاها طبقة الكلاسيك .
ب- اصطلاحا:هو مذهب أدبي يتمسك بالأصول القديمة الموروثة عن الأدب اليوناني القديم ، ويحرص على المحافظة على الأصول اللغوية السليمة في رتابة وعناية بالغتين باعتماد نظرية المحاكاة .
3- نشأة الكلاسيكية
ليس غريبا أن تكون الكلاسيكية الأسرع ظهورا وانكشافا من المذاهب الأخرى ،وسبب ذلك ميل الخلف على السجية إلى السلف. وارتباطهم بما ألفوا عليه آباءهم .فنشأت الكلاسيكية في أوربا بعد حركة البعث العلمي renaissance التي ظهرت خلال القرن 15م، بعد سقوط القسطنطينية سنة1453 على يد الأتراك تحت قيادة – محمد الفاتح – إذ رحل أدباء وعلماء القسطنطينية (بيزنطة) وهم يحملون معهم المخطوطات اللاتينية القديمة إلى إيطاليا ثم سرعان ما انتشر هذا المذهب بفرنسا .
وقد ظهرت الكلاسيكية تلبية للظروف الفكرية التي عاش في كنفها الأدب الأوربي في القرنين 17م و 18م حيث كان للنزعة العقلية سلطان واسع على الإبداع الأدبي.
4- تطور الكلاسيكية وخصائصها
تعتمد الكلاسيكية على النزعة العقلية التي قادها" ديكارت " في الفلسفة و"بوالو" في النقد ، ذلك أن العقل هو الذي يقود القلب والخيال ويكبح جماحهما .
إن الكلاسيكية تستجيب لحاجات الطبقة الأرستقراطية وتعبر عن الحالات النفسية التي كانت سائدة في القرن 15م .وهي تقديس إبداع القدامى خاصة ما أبدعه اليونان واللاتين ، وتمثل جماعة البيلياد la pleiadesالتي يتزعمها رونسار(1524-1585م) بمساعدة دي بيليه (1522-1560م) وترى هذه الجماعة أنه يجب على الأدباء الناشئين أن يتمرسوا بشعر قدماء اليونان واللاتين من أجل بلوغ الإبداع الحقيقي . يلتزم الكلاسيكيون بمحاكاة القدامى في إطار من الاهتمام المطلق والصارم بأصولهم وقواعدهم ،وعلى هذا نجدهم يقتبسون موضوعاتهم من التاريخ القديم ، فانتشر بذلك الشعر المسرحي واختفت النزعة الذاتية .
لقد وضع الأديب الفرنسي – بوالو – أسس الكلاسيكية في كتابه "فن الشعر " سنة 1648م وبذلك يكون قد أعلن عن نضج الكلاسيكية .
يحرص الكلاسيكيون على تناول الجانب الباطني في الإنسان ؛ أي يغوصون في دواخل النفس الإنسانية ، من ذلك حين يتناول – موليير – (1622-1673) في مسرحيته " البخيل " ظاهرة البخل فإنه يحاول من خلالها الكشف عن أعماق نفسية البخيل .
إن الكلاسيكية وإن كانت تقدس العقل فإنها لا تسمح بوجود العواطف الإنسانية إلا تحت قيادة العقل فهي تحرص كل الحرص على جودة الصياغة اللغوية والفصاحة في التعبير لأن هذا الأدب عرف بأنه أدب الصنعة .ومن أهم خصائص الكلاسيكية الغربية:
- الاعتماد على القديم من شعر القدماء كالرومان والإغريق في الحرص على تقليدهم .
- تعظيم العقل : فهم يرون أن الأديب يعتمد على العقل الواعي المتزن والمتميز بالاعتدال في التفكير لذا وجب عليه الابتعاد عن العواطف الذاتية .
- الحرص على جودة الصياغة اللغوية وفصاحة التعبير .
- تقيّد أعمالهم وإنتاجهم الأدبي بقانون الوحدات الثلاث لاعتقادهم أن المسرحية إذا تعددت مواضيعها وامتدت أحداثها عبر الزمن الطويل وتنوعت أماكنها تصدع بناؤها وتفككت عناصرها .
5- أثر الكلاسيكية الغربية في الأدب العربي
إن تأثير المذهب الكلاسيكي في الأدب العربي الحديث محدود؛ حيث اقتصر على الشعر المسرحي ؛ وذلك عندما اتصل كتاب المسرح العربي بالمسرح الفرنسي الكلاسيكي وفي مقدمة هؤلاء أمير الشعراء -أحمد شوقي - من مصر والأديب - مارون النقاش- من لبنان . وتتمثل في الأعمال العربية الأدبية الكلاسيكية في بعض الترجمات التي قام بها مارون النقاش الذي ترجم أعمالا للأديب الفرنسي – موليير – كمسرحيتي (البخيل) و(الثري النبيل) . كما قام أيضا- سليم النقاش - بترجمة مسرحية (هوراس) التي ألفها صاحبها –كورناي– سنة 1640 وقد ظهر هذا التأثير البسيط بصفة جلية في مسرحيات -أحمد شوقي - الذي كان قد اتصل بالأدب الفرنسي الكلاسيكي واحتك بمسرحه عند ذهابه إلى فرنسا للدراسة . ونلمح هذا التأثير في عنصر الصراع بين الحب والواجب في مسرحية (مصرع كليوباترا) إذ جعل الأديب كليوباترا ملكة مصر (67 ق.م- 30 ق.م ) تغار على وطنها ولا يهمها أن يعزلها الروم أو أن تلقى المنية في سبيل مملكتها وهي مع ذلك مهتمة بجمالها حية أو ميتة ، متمسكة بعلاقتها بأنطيوس القائد الروماني الذي خاصم قومه من أجل كليوباترا ،كما نجد في مسرحية ( قمبيز) وبطلتها نتيتاس نوعا آخر من الصراع حيث لم تستطع أن تتغلب على حقدها على قاتل أبيها الفرعون أمازيس .
وإذا كانت مسرحيات شوقي محاولة رائدة في الشعر العربي فقد تبعتها بعد ذلك محاولات أخرى ناجحة في الإتقان الفني والنضج الفكري مثل مسرحية "مصر الجديدة "لـفرج أنطون كما ظهرت فرق أخرى كانت أعمالها المسرحية متميزة .إلا أن تأثير الكلاسيكية في الأدب العربي بقي محدودا ولم تلق رواجا كبيرا لأسباب أهمها :
- اعتماد المذهب الكلاسيكي الغربي على الأدب الموضوعي بينما نجد الأدب العربي عموما أدبا عاما .
- إن المذهب الكلاسيكي وثيق الاتصال بالمسرح سواء منه اليوناني والروماني القديم أو الأوروبي الحديث وليس للعرب مسرح في عصورهم القديمة ، وحين اتصل بعض أدبائهم بالمسرح الغربي حديثا كان ذلك التأثير محدودا.
- عدم بقاء الكلاسيكية وتعميرها طويلا في أوروبا في فترة كان الاتصال فيها بين الأدب العربي والآداب الأوروبية في مرحلة الطفولة . فليس من الطبيعي أن يتأثر العرب بمذهب أدبي هجره أهله.



المذهـب الرومانسـي Le Romantisme

نص استهلالي: قال الدكتور محمد مندور في كتابه -الأدب ومذاهبه- : "...يمكن القول أنها قد كانت في جوهرها ثورة تحريرية للأدب من سيطرة الآداب اليونانية واللاتينية القديمة ومن كافة القواعد والأصول التي استنبطت من تلك الآداب " .
1- تعريف الرومانسية
أ - لغــة :الرومانسية من حيث الجذر اللغوي مشتقة من كلمة "رومانيوس" وقد أطلقت هذه الكلمة على اللغات والآداب التي تفرعت عن اللغة اللاتينية القديمة ، ويرى البعض أن "رومانس" لفظة اسبانية تدل على نوع من الصياغة الشعرية مؤلفة من مجموعة أبيات ثمانية المقاطع تكون فيها الأبيات الزوجية مشتركة في القافية والأبيات الفردية مطلقة .
ب- اصطلاحا:هي ثورة على المذهب الكلاسيكي بأصوله وقواعده وقد رفضت فيه إغراقه في الصنعة ومبالغته في تعظيم العقل وإمعانه في تمجيد العظماء والسير على منوالهم. فالرومانسية تفتح المجال واسعا للسليقة الحرة وترفض العقل وتدعم الإحساس المنطلق والشعور المتدفق والطبع الوثاب .
2- نشأتها
نشأت الرومانسية في فرنسا في أواخر القرن 18م وبلغت قمة ازدهارها في منتصف القرن 19م وقامت على أساس فلسفي هي الفلسفة العاطفية التي مثلها - جون جاك روسو- الفيلسوف الفرنسي الذي توفي سنة 1778 وعلى أساس اجتماعي وهو بروز الطبقة البورجوازية التي عبرت عنها الرومانسية مصورة حالة الكآبة والتشاؤم التي سادت تلك الفترة .
كما اتسع نطاق الرومانسية من خلال بعض الأعلام البارزين مثل الفرنسي فيكتور هيغو "1806 - 1895" إلا أن وليام شكسبير "1564-1616" يعد بحق واضع القاعدة الأولى للرومانسية الغربية في مسرحه الشهير في إنجلترا وتميزت أعماله بتحليل عواطف القلب البشري من حب وبغض . ومن رواد هذا المذهب أيضا الشاعران الإنجليزيان واردزوارث"1770-1850" وكلوريدج "1772-1834" اللذان نظما وأصدرا ديوانهما "المواويل الغنائية" وقد جعلا الإنسان بهمومه واهتماماته محورا لشعرهما في هذا الديوان وقد شهدت إنجلترا أيضا أدباء رومانسيين آخرين نالوا شهرة واسعة وتركوا بصماتهم في الأدب الإنجليزي الرومانسي منهم: وليم بلاك "1757-1827" وجامس طومسون "1700-1742" .

3- تطور الرومانسية وخصائصها
لقد شهدت الرومانسية تطورا كبيرا في إنجلترا من خلال أدباء وشعراء تركوا بصمات بارزة في الأدب الرومانسي. وقد شهدت ألمانيا نهضة في مجال الأدب الرومانسي بفضل الأديب -غوث- صاحب كتاب "آلام الشاب وارذر" وقد صدر سنة 1774م وترجم بعد ذلك إلى الإنجليزية والفرنسية سنة 1775م . وقد اعتبر في أوروبا بطل الرواية "وارذر" بطلا للرومانسية . أما عن الرومانسية بفرنسا فإنها جاءت متأخرة عن الرومانسية الإنجليزية والألمانية حيث ظهر تأثيرها خاصة في حروب نابليون بونابرت "1769-1821" واحتلاله بجيشه لعدة دول أوروبية كإيطاليا وألمانيا وإسبانيا ،ورجوع المغتربين الفرنسيين من هجرتهم إلى بلدهم فرنسا وهم محملون بأفكار ومبادئ الرومانسية .
وقد ظهر هذا التأثير بوضوح سنة 1830 بعد سفر كل من –لامارتين- "1790-1869" والأديب فيكتور هيجو -اللذان أعتبرا من أعلام الحركة الرومانسية بفرنسا- إلى بعض الدول الأوروبية ، وقد أخذ هذان الأديبان أسس المذهب الرومانسي ومبادءه وحملاها إلى فرنسا قادمين بها في رحلاتهما من ألمانيا وإنجلترا وإسبانيا . ومن أعمال فيكتور هيجو (البؤساء - وهرناني -وعمال البحر) وغيرها من الأعمال الفنية الشعرية والنثرية . وهو صاحب المقولة الشهيرة " يجب أن نخلص الشعر من الموضوعات المأخوذة من عصور غربية عنا ". وقد اهتمت الرومانسية بالعواطف الذاتية وخصت أدبها بالطبقات الوسطى والدنيا من المجتمع . لذا جاءت تعبيرا عن هذا المجتمع الجديد الذي عرفه العالم الغربي ، ومن هنا فقد سعت الرومانسية بأعمالها الأدبية إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة لشعوبها .

4- أهـم خصائــص الرومانسيــــة
من أهم خصائص الرومانسية :
- بروز الذاتية في الأعمال الأدبية لأن الأدب في نظرهم أدب ذاتي وشخصي .
- اتخاذ الطبيعة مادة خاما لأعمالهم الأدبية والهروب إليها لصياغة التجارب الشعرية .
- تسعى الرومانسية إلى التعمق في أسرار الكون عن طريق تقديم الخيال وتفضيله على العقل وتقديس النزعة العاطفية إلى حد الإسراف .
- التعبير عن معاناة الضعفاء ومظاهر القلق والحزن والتفاؤل والتشاؤم . وقد طمحت إلى عالم تسوده مبادئ العدل والمساواة ، معلنين عن تعاطفهم مع الضعفاء والمحرومين ، وقد نادت الرومانسية بتحطيم القيود والقواعد المفروضة على الأدب وركزت على التلقائية والسليقة الحرة .
5- أثر الرومانسية في الأدب العربي
أشرنا أن الكلاسيكية لم يكن لها تأثير واسع في الأدب العربي الحديث . إلا أننا نجد أن الرومانسية قد أثرت تأثيرا بالغا على الأدب العربي وقد ظهرت بوادر هذا التأثير على يد المهجريين أمثال (جبران خليل جبران و إيليا أبي ماضي) وغيرهما من شعراء المهجر الذين أجادوا اللغة الإنجليزية إلى جانب لغتهم الأصلية فتمكنوا من الإطلاع على عيون الأدب الغربي عامة والأمريكي خاصة .
كما نلاحظ تعدد الترجمات العربية للمصطلح الأجنبي romonticismفيقابله " الوجدانية- الذاتية- الرومانسية- الرومانتيكية - الإبداعية - الإبتداعية ..."

أ- عوامل ظهور الرومانسية في الأدب العربي :
- تأثيرات الغرب : بدأ الاتصال بالثقافة الغربية منذ المنتصف الثاني من القرن19 م فأخذت البعثات العلمية تقصد أوروبا لتغترف من الحضارة الجديدة وعادت تحمل هذا التأثير من المثقفين العرب فتأثر معظم الشعراء بنظرائهم في الغرب وفي مقدمتهم خليل الخوري توفي سنة 1907 الذي كان على اتصال تراسلي مع –لامارتين- .
- معاناة الجيل العربي ما بين الحربين : يعزو بعض النقاد أسباب ظهور المذهب الرومانسي إلى ما عاناه الجيل العربي أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، من كبت للحريات والعواطف والقيود ومصادرة الأفكار الحرة وممارسة القمع والتعذيب فانطوى الشاعر على نفسه وانسحب إلى دنيا الأحلام متقلبا بين اليأس والأمل .
- الرغبة في التجديد : لقد ضاق الأدباء ذرعا بالموضوعات القديمة والصور التقليدية وأرادوا التحرر من القيود القديمة التي كبلت حرية الشاعر في الإبداع .
ب- مظاهر الرومانسية في الأدب العربي :
ظهرت الرومانسية في الأدب العربي على صورة مذهب نظري نقدي ثائر قبل أن يجسدها الأدباء في إنتاج فني وقد تبلور هذا الاتجاه في كتابين نقديين هما : الديوان سنة 1921 لكل من عباس محمود العقاد و إبراهيم عبد القادر المازني.
وكتاب الغربال الذي صدر سنة 1922"ميخائيل نعيمة" وتحت هذا المذهب النظري نشأت عدة تنظيمات أدبية أهمها :
1- مدرسة الديوان أو" مدرسة التجديد الذهني " : دعا إليها- العقاد والمازني - ومن شعرائها عبد الرحمان شكري وقد حملت لواء التجديد والثورة على الأدب المحافظ متأثرة بالمدرسة الرومانسية الإنجليزية وقد نهجت في كتابها "الديوان" المنهج ذاته الذي نهجته" مجموعة الكنز الذهبي"وشعارها هو بيت "عبد الرحمن شكري"في قصيدته "ضوء الفجر" :
ألا يــــا طـــائـر الفــــردو س إن الشــــعر وجــــدان .
وقد قامت هذه المدرسة على دعامتين أساسيتين هما :
• سعة ثقافة أصحابها : فقد عكفت هذه المدرسة على التراث العربي الأصيل وأعطته حقه من التحصيل والتحليل والدراسة
• الإطلاع الواسع على الأدب الغربي : لقد اهتمت هذه الجماعة بعيون الآداب الأوروبية الغربية وخاصة الأدب الإنجليزي الذي نال قسطا وافرا من الاهتمام . وقد تميزت أعمال جماعة الديوان ببعض الخصائص الفنية نجملها فيما يأتي :
* كان أدبهم إنسانيا يحمل رسالة سامية ، ويرون أنه يجب على الأديب أن يطيل التفكير في الحياة وما تحمله من قسوة وهموم .
* البعد عن الصنعة والتكلف حتى يكون الأدب مفعما بالمشاعر القوية والأحاسيس الذاتية .
* دعوتهم إلى الشعر المرسل وتعدد القافية في القصيدة على خلاف النظام القديم.
* الصدق الفني في التجربة الشعورية لأن القصيدة عندهم تنقل بصدق ما في نفس الشاعر من معان وانفعالات وأحاسيس .
2- الرابطــــة القلميــة : تمثل شعراء المهجر الشماليين وهي مدرسة قائمة بخصائصها في التعبير والتفكير . تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1920 ، برئاسة الشاعر جبران خليل جبران ومن أبرز أعضائها ميخائيل نعيمة رشيد أيوب وإيليا أبي ماضي ونسيب عريضة وغيرهما من أدباء المهجر . تتميز هذه الرابطة بدعوتها إلى التجديد ومبالغتها في ذكر الأوطان كما أنها لا تلتزم بالدقة اللغوية وقواعد الصرف والنحو .
3-جمـاعــة أبـولـو (أبولو رب الشعر والموسيقى عند اليونان ) : هي جماعة أدبية تأسست سنة 1932 دعا إليها أحمد زكي المعروف بأبي شادي ، وقد ترأسها أمير الشعراء أحمد شوقي وبوفاته في شهر أكتوبر من نفس السنة تزعمها الأديب خليل مطران ، وقد انضم إليها علي محمود طه توفي سنة 1949 والشاعر أبو القاسم الشابي توفي سنة 1934 وكذلك الأديب إبراهيم ناجي ومحمود حسن اسماعيل ، وحسن الصيرفي والتيجاني يوسف البشير .
لقد اتخذت الجماعة لنفسها مجلة فنية حملتها لسان حالها دعتها مجلة "أبولو" برئاسة الدكتور أحمد زكي (أبو شادي) وراحت تروج لشعر دي موسيه، وشيلر، وجورج ملتون ، وبودلير وغيرهم من الشعراء الأوروبيين المجددين . وهذا الشاعر أحمد شوقي يصور آلام ومعاناة عاشها إخوانه في سوريا :

بني سوريا اطرحـوا الأماني وألقـوا عنكم الأحلام ألقوا
فمن خدع السياسة أن تغروا بألقــاب الإمارة وهي رق
نصحت ونحن مختلفون دارا ولكــن كلنا في الهم شرق
ومن أهم خصائص هذه الجماعة : التجربة الشعرية ، الوحدة العضوية ، الانغماس في الطبيعة ، التجديد في القوالب والأوزان الشعرية .
4- جماعات أدبية أخرى :
• العصبة الأندلسيـة : ومن أبـرز شعرائهـا رشيد سليم الخوري .
• عصبة العشـــرة : // // // إلياس أبو شبكة .
• النادي الفينيقــي : // // // ميشال معلوف .
• الثالـوث الرومانسي: // // // أبو القاسم الشابي .




المذهـب الـواقعـي Le Réalisme
نص استهلالي : ورد في كتاب الأدب ومذاهبه للدكتور محمد مندور ما يلي : " إن الواقعية ليست الأخذ عن واقع الحياة وتصويره بخيره وشره كالآلة الفوتوغرافية كما أنها ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة حلها أو التوجه نحو هذا الحل ، كما أنها ليست ضد أدب الخيال أو الأبراج العاجية ، وإنما هي فلسفة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما أو هي وجهة نظر خاصة ترى الحياة من خلال منظار أسود " ويرون : " أن الشجاعة والاستهانة بالموت لو نقبنا عن حقيقتها لوجدناها يأسا من الحياة أو ضرورة لا مفر منها ، والكرم في حقيقته أثرة تأخذ مظهر المباهاة ، والمجد والخلود تكالب على الحياة وإيهام للنفس بدوامها أو استمرارها . وهكذا الأمر في كافة القيم المثالية التي نسميها قيما خيرة ، فهي ليست واقع الحياة الحقيقية وإنما الواقع هو الأثرة وما ينبعث عنها من شرور وقسوة ووحشية " .
1- تعريف الواقعية
تمثل الواقعية الجانب الواقعي من المجتمع والحياة ، فهي ترى أن الحياة كلها شر ووبال وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كان ماكرا ومخادعا .
2- نشأتها
نشأ هذا المذهب في الثلث الثاني من القرن 19م تحت تأثير الحركة العلمية والفلسفية ونتيجة رد فعل للإفراط العاطفي الذي اتسمت به الرومانسية ؛ فقد ازدهرا معا وتجاورا . وقد عمد الواقعيون إلى تشخيص الآفات الاجتماعية وتصوير معاناة الطبقة الدنيا وبالغوا في ذلك حتى اتسم أدبهم بطابع تشاؤمي ومسحة سوداء .

يعدّ بالزاك Balzac « 1850-1799 »الرائد الأول للواقعية في فرنسا وقد خلف أكبر موسوعة في الأدب الواقعي وهي تشمل نحو 150 قصة أطلق عليها اسم الكوميديا البشرية وتمثل قطاعات مختلفة من الحياة ، كما نجد عدة أدباء آخرين من فرنسا في مجال الواقعية مثل غوستاف فلوبار"1821-1880 " وهو صاحب الأعمال الأدبية المتميّزة مثل السيدة بوفاري Bovary Madame وقصة أخرى عنوانها Salammbo وغيرهما من الأعمال الأدبية القيمة .
3- تطور الواقعية وأشهر أعلامها
أشرنا إلى نشأة الواقعية في فرنسا وريادة بالزاك في هذا المجال ، أما في إنجلترا فإننا نجد ريشار شيريدان"1751-1816 " وكذلك تشالز ديكينز "1822-1870" الذي قدم وصفا صادقا وعميقا للمجتمع الإنجليزي في رواياته التي تركت آثارا جلية في الواقعية الإنجليزية مثل (صحائف بكويك و دافيد كوبرفيلد) وكذلك (دمنى وولده) .
4- خصائص الواقعية
يرى النقاد أن الواقعية تنقسم من حيث خصائصها الفنية إلى ثلاثة اتجاهات :
*الواقعية الانتقادية : تقف موقفا انتقاديا إزاء أوضاع المجتمع فظهر هذا المذهب جليا أكثر في الأدب الفرنسي عند بالزاك وستيندال وكذلك تجلى في الأدب الروسي عند دوستويفيسكي و تولستوي "1828-1910" صاحب القصة المشهورة (حرب وسلم) وإلى جانب هؤلاء الأدباء ذاع صيت الأديب الأمريكي هيمينغواي "1898-1960" ومن رواياته " الشيخ والبحر " و " لمن تقرع الطبول " .
* الواقعية الطبيعية : لقد عملت على توثيق صلة الأدب بالحياة لتصوير الواقع الاجتماعي بمختلف أشكاله مع الاستعانة بالعلوم التجريبية العصرية وعلى هذا اعتقد الفرنسي ايميل زولا "1840-1902" أن الأديب يطبق مكتشفات (داروين) صاحب نظرية "أصل الأنواع " و(كلود بيرنارد) صاحب نظرية "الأثر الحاسم للبيئة" وبذلك نفى هذا الاعتقاد على الإنسان حرية الإرادة والاختيار، واعتبر أن أفكاره وأحاسيسه وسلوكه نتاج الجانب العضوي والمادي فيه .
* الواقعية الاشتراكية : هي واقعية جديدة طغت عليها النظرة الماركسية إلى الفن الأدبي ، وترى أن الأدب يجب أن يخدم هذه النظرة ويعبر عن الطبقة العاملة ، بالدفاع عن حقوقها ومصالحها .

- إن الواقعية الاشتراكية أفرزتها ظروف تاريخية واجتماعية معارضة للرومانسية والمثالية الطبيعية . إن الواقعية الاشتراكية تعتمد على تحليل الواقع تحليلا دقيقا ثم تقبل ما يوافقها وتطرح ما عدا ذلك . كما تؤمن الواقعية الاشتراكية أن الواقع يمكن تغييره لأن الإنسان مالك لمصيره لذا باستطاعته أن يستعمل هذه الظروف لصالحه في تغيير الواقع ومن ثمّ تغييره لنفسه .
وهذه الفكرة تعتبر من صميم النظرية الاشتراكية فقد قال زعيمها ماركس : " الإنسان يعمل في الطبيعة الخارجية ويغيرها ، وفي الوقت نفسه يغير طبيعته ويطور الملكات الكامنة فيه ... " .
5- أثر الواقعية الغربية في الأدب العربي الحديث
إن الواقعية الغربية بنظرتها المتشائمة لم تستطع فرض نفسها على الأدب العربي الحديث ، فقد رسم أدبنا نهجا خاصا به استوحاه من الواقع العربي بمشكلاته الاجتماعية وقضاياه السياسية ، وإن كان بعض الأدباء قد تأثروا في بداية الأمر بالواقعيين الغربيين ومن هؤلاء "محمود تيمور" الذي تأثر بالواقعية الفرنسية حيث كانت أعماله القصصية لوحات لأوضاع اجتماعية غلب عليها شيء من التخيل .
أما الواقعية الحقيقية في أدبنا العربي الحديث فقد تجلت عند الدكتور طه حسين في كتابه المعذبون في الأرض وقد عبر عن رفضه لمظاهر الحرمان والفقر مطالبا بالعدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية للفرد . وخير ما أثمرته الواقعية في أدبنا ما كتبه "توفيق الحكيم" في روايته (يوميات نائب في الأرياف) سنة 1937 قدم وصفا دقيقا لحياة الفلاحين في الريف المصري مستعرضا مظاهر الجهل والمرض والحرمان والذل بين أجيال من الإقطاعيين المستبدين وقد ترجمت هذه الرواية إلى أغلب لغات العالم وبذلك بلغ مرتبة سامية في سلم الأدب العالمي .
كما ظهرت الواقعية في أدبنا في أعمال "يوسف إدريس" في روايته(الحرام) التي نالت رواجا واسعا وترجمت إلى لغات عالمية كثيرة . كما نلمح الواقعية عند الأديب "عبد الرحمان الشرقاوي" في روايته "الأرض" وكذلك الأديب "يحي حقي" في مجموعته القصصية (ماء وطين) أما الواقعية في الأدب الجزائري فقد تجلت في الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية التي تناولت الحياة الجزائرية عامة والريفية بوجه خاص ونجد ذلك في رواية (ابن الفقير) لـ "مولود فرعون" إذ صور فيها نشأته المعذبة ، كما وصف أيضا حياة الفلاحين البائسة ومعاناتهم اليومية ، فالفلاح يقضي في حقل الإقطاعي قرابة ست عشرة ساعة يوميا فهو يخرج من كوخه قبل بزوغ الفجر ولا يعود إليه إلا بعد غروب الشمس ويقول في ذلك : " يسكنون بيوتا بدائية فقيرة ، تتسلق قمما مرتفعة يعلو كل منها الآخر ، وكأنها عظام عمود فقري هائل لحيوان رهيب من حيوانات مل قبل التاريخ ... " .
كما صور الأديب الجزائري هذه الواقعية المؤلمة بكل صدق وإيمان نظرا لتجاربه في الحياة ومعاناته اليومية ، فهو صورة لهذا المجتمع المتألم من نير عبودية الاستعمار وسياسته الاستيطانية والاستعبادية وهذا ما نجده في رواية "محمد ذيب" (الحريق) الذي عبر قائلا : "لقد استولوا على كل شيء ، إنهم يريدون أن يصبحوا سادة أيضا ، لقد جعلوا من واجبهم الحقد علينا.وهاهم أولاء ينتزعون كل يوم قطعة من لحمنا ، فيبقى مكانها جرح عميق لتسيل من حياتنا ... " .
كما نجد الشعر قد صور واقع الحياة الاجتماعية لهذا الشعب وهذا "محمد الأمين العمودي" يقول :
نفسي تريد العلا والدهر يعكسها بالقهر والزجر إن الدهر ظلاّم
أبكي إذا اشتد إرزام الحوادث بي وللحوادث مثل الرعـد ارزام
إن حل عام جديـد قمـت أسأله قل لي : بماذا أتيت أيها العام؟
إني وإن حط سوء الحظ منزلتي وقد علا شرفـي بالظلم أقوام

كما نجد الأديب "محمد الصالح خبشاش" يعبر عن واقع المرأة الجزائرية المؤلم داعيا إلى تربيتها وتعليمها قائلا :
تركـوك بين عبـاءة وشقـاء مكؤوبـة في الليلـة الليلاء
دفنوك من قبل الممـات وحبذا لو مـت قبـل تفاقـم الأدواء
مسجونـة مزجـورة محرومة محفوفـة بمـلاءة سـوداء
وإلى جانب هذين الشاعرين هناك شعراء آخرون ، لم يقلّ شعرهم أهمية ولا مكانة في وصف الواقع الجزائري المزري نذكر منهم "محمد العيد آل خليفة ، الشيخ إبراهيم أبي اليقضان ..."


المذهـب الرمـزي LeSymbolisme

نص استهلالي : يقول جورج صيدح : "إن الرمز هو غير اللغز فاللغز لا يفهم ولا يوحي ، أما الرمز فأنت تفهم إيماءته أضعاف ما تفهم من كلمته ... والإغراق في الإيهام يسد منافذ الجو ، ويخلق أمام القارئ فراغا لا يستحث الفكر ولا يوقظ الشعور"
ويقول الدكتور حامد حقي داود : " ... هذا الرمز والغموض هو ما أشار إليه النقاد العرب القدامى كقول بن سنان الخفّاش : أفخر الشعر ما غمض عنك فلم يعطك إلا بعض ما طلب منه " .
1- تعريف الرمزية
أ- لغـة : يعود أصل الكلمة إلى عصور قديمة لا يعرف مداها التاريخي ولكنها موحدة المعنى لدى الشعوب القديمة فهي عند اليونانيين تدل على قطعة الفخار أو الخزف تقدم إلى الزائر الغريب علامة على حسن الضيافة .
وعند العرب شرح المعجم اللغوي لسان العرب لابن منظور الرمز بحركات تقوم بها العينان والشفتان لتؤدي معنى خفيا لا يؤدى تأديته باللفظ الصريح .
ب- اصطلاحا : المدرسة الرمزية حركة أدبية ظهرت في النصف الأخير من القرن 19م اعتمدت الرمز لغة والموسيقى إيقاعا والجمال غاية ومحورا .
والرمز هنا معناه الإيحاء أي التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة التي لا تقوى اللغة على أدائها في دلالتها الوضعية ، بحيث تتولد المشاعر عن طريق الآثار النفسية لا عن طريق التسمية والتصريح .
2- نشأتها
ظهرت الرمزية في النصف الثاني من القرن 19م وقد اعتمدت في أصولها الفلسفية على "مثالية أفلاطون" ومنظّرو الرمزية يشيرون إلى أن هذه الحركة تأثرت في نشأتها بالحركة الدينية والأسطورية التي قامت في تلك الحقبة ، كما لا يخلو الأدب الرمزي من تأثيرات ومقدمات فلسفية رصدت دوافعه ومن الفلاسفة الذين كتبوا ومهدوا للرمزية كانط المؤثر المباشر، وهربرت سبنسر الإنجليزي مؤسس الفلسفة التطورية .
وإذا ما استندنا إلى مثالية أفلاطون فإن الرمزية تنكر الأشياء الخارجية المحسوسة ، ونراها في الحقيقة رمزا للحقائق المثالية البعيدة عن عالمنا المحسوس .
3- تطور الرمزية وأشهر أعلامها
من حيث الإطار الإعلامي الفعلي فإن نشأة الرمزية في الأدب الغربي الحديث يعود إلى سنة 1886م عندما أصدر "مورياس" رسالة أدبية تتضمن تعريفا مفصلا بهذه المدرسة واعتبرت هذه الرسالة بمثابة أول منشور للرمزية وقد صدر هذا البيان في الملحق الإداري لجريدة "الفيغارو" الفرنسية حيث قدم تعريفا بالمذهب الجديد وحدد ممثليه ورواده وهم شارل بودلار "1821-1867" وهو شاعر وكاتب فرنسي ولد عاش بباريس من مؤلفاته "زهور الشرles fleurs du mal /" وله مجموعة شعرية تعبيرية وترجم قصص لـ"ادغار آلامبو" ، ويعد بودلار الرائد الأول للرمزية في فرنسا و "ملارميه" المنظر الحقيقي الذي وهب الشعر معنى الغموض والأسرار الخارقة التي لا توصف أما الثالث فهو "فرلين" لأنه كسر قواعد الشعر المألوفة إلى نوع جديد هو الشعر الحر .
بعد ذلك بأسابيع ظهرت مجلة الرمزي lesymboliste في أربع أعداد وقد أوضحت كثيرا من قواعد الرمزية ورسخت اتجاهاتها . ومن أبرز رواد الرمزية خارج فرنسا ويليام بلاك ، ويليام بيتلرياتس من ايرلندا وريزماريار يلكه وإلكسندر بلوك من روسيا أيضا وتوماس ستريس إليوت من أمريكا إلا أنه يحمل الجنسية الإنجليزية خاصة في مجموعته الشعرية المسماة "الأرض الخراب the wasteland " .
يرى الرمزيون أن اللغة لا قيمة لها في ألفاظها إلا ما تثيره هذه الألفاظ من الصور الذهنية التي تلقيناها من الخارج وعلى هذا الأساس تصبح اللغة وسيلة للإيحاء ، كما يرى الرمزيون أن الأدب يسعى إلى نشر الصورة الفنية ونقل خيال الكاتب إلى القارئ كما اهتم أصحاب المذهب الرمزي بالإيقاع الموسيقي في شعرهم ويرون أن الموسيقى وحدها هي التي توقظ في السامع أو القارئ مشاعره العاطفية التي تهز نفسه .
4- خصائص الرمزية
من أهم خصائص المذهب الرمزي نذكر ما يأتي :
* انتفاء الواقع والتحري عن الروح في قلبه : فالرمزية اعتبرت الواقع الهادي زائفا في الدلالة على الحقيقة وإنه قناع يسترها، ذلك أن الشاعر إذا ما رنا إلى البحر فإنه لا يذكر زرقته وموجه الهادر وإنما يتخذ البحر مادة للتأمل ، إنه يرنو إلى ميتافيزيقية البحر من حيث غاياته وغاية الإنسان والوجود فيتحول الإنسان البحر والبحر الإنسان كما يقول بودلار :
أيها الإنسان الحرّ
ستحبّ البحر
البحر مرآة
* الغموض : يشكل الغموض العمود الفقري للأدب الرمزي والمقصود بالغموض ما يخيّم على القطعة الأدبية فتصبح مقتصرة على ذوي الاحساسات الفنية المرهفة ، فالرمزيون يكتفون بالإشارة إلى الحالة النفسية الغامضة بوسائل رمزية .
* الإيحاء : إذا كانت الكلاسيكية تنقل المعاني عن طريق العقل والرومانسية عن طريق الانفعال "العاطفة" فإن الرمزيين قد اهتموا بنوع آخر من هذه المشاركة الوجدانية ما بين الكاتب والقارئ تقوم على نقل حالات نفسية من الكاتب إلى القارئ وهو الإيحاء ومن هذه الكلمات الموحية : "الضوء الخافت- التموج- الألوان الهاربة-الأنغام- الغروب-الرحيل ... " كما أنهم يقربون بين الصفات المتباعدة (السكون المقمر-الضوء الباكي-الشمس المرة المذاق-القمر الشرس) . كما اهتموا بالألوان من ذلك أن "رامبو" قد جعل لكل لون معنى :
اللون الأحمر يرمز إلى الحركة والحياة الصاخبة والقتال والثورة والغضب والأعاصير .
اللون الأخضر يرمز إلى السكون والطبيعة والانطلاق وفكرة المستحيل والخلاص من عالم المادة .
اللون الأزرق يرمز إلى العالم الذي لا يعرف الحدود وفيه انطلاق إلى ما وراء المادة الكونية .
اللون الأصفر لون المرض والشعور بالحزن والضيق والتبرم بالحياة .
اللون الأبيض يمثل الطهر المثالي وهدوء السكينة ويرمز إلى الفراغ والجمود .
اللون البنفسجي لون الرؤى الصوفية .
* النغمة الموسيقية : الرمزية في نظر "فاليري" هي :" نية عدد من عائلات الشعراء في أن ينهلوا من الموسيقى" فالموسيقى لا تقرر أفكارا بل تعبر تعبيرا نغميا عما يشعر به الفرد ، وتنتقل هذه المشاعر من المؤلف والعازف إلى المستمع وهذا "بودلار" في ديوانه (أزهار الشر) يكتب مقطوعة صغيرة عنوانها الموسيقى صور فيها الأثر العميق الذي تحدثه الموسيقى :
تأخذني الموسيقى غالبا مثل بحر
نحو نجمتي الشاحبة
تحت سقف ضبابي أو أثير واسع
أرفع الشراع
صدري إلى الأمام ورئتاي منفوختان
كالشراع
ويقول "فرلين " في الموسيقى في قصيدته الفن الشعري : عليك بالموسيقى قبل كل شيء قم بالموسيقى أولا وأخيرا
وليكن شعرك مجنحا
حتى لا يحسّ أنه منطلق من الروح عابرا نحو سماوات أخرى

* تراسل الحواس : فاللمس والشم والسمع والبصر وسائل تعبير متداخلة ومتبادلة فبعضها ينوب عن بعضها الآخر في التأثير النفسي كوصف أحد الرمزيين للون السماء بقوله : "وكأن لون السماء في نعومة اللؤلؤ" وكقصيدة بودلار الشهيرة مراسلات التي يقول فيها :
ثمة عطور ندية كجسد الأطفال
عذبة كآلة موسيقية
خضراء كالمروج
وهكذا شاهد الشاعر لون الاخضرار في العطر وسمع نغم المزمار ولامسه في جسد الأطفال .
* الرمزية أدب الصفوة : فهم لا يحفلون بسواد الشعب ويتوجهون إلى الصفوة بحيث يغدو فهم الأدب الرمزي مقصورا على الذين تمكنوا من بعض العلوم الإنسانية كعلم النفس الجماعي الذي شرحه كل من "يونغ" و"أدلر" وعلم التحليل النفسي الذي اكتشفه وعرفه العالم النمساوي "فرويد" .
* الإيمان بالصنعة دون الإلهام : وفي ذلك يقول فاليري : "إذا آمن الشاعر بالوحي قتل الإبداع " .
* اللجوء إلى الأساطير : وذلك عندما يصرفون موضوعات إنسانية لها علاقة مباشرة بالفلسفة أو الأخلاق .
وعليه انقسمت الرمزية إلى ثلاثة اتجاهات نجملها فيما يأتي :
- الرمزية اللغوية : وعملها نقل الصورة اللغوية من نفس إلى أخرى ، ويرى أصحاب هذا الاتجاه وعلى رأسهم "شارل بودلار" أن معطيات الحواس متداخلة أي أن كافة الحواس تستطيع أن تولّد وقعا نفسيا واحدا ، وأن جزء منها ينوب عن الآخر في التأثير النفسي ، ويتضح هذا في وصف أحد الكتاب سماء مغطاة بالسحب البيضاء حيث يقول : "وكأن لون السماء في نعومة اللؤلؤ" .
- الرمزية الغيبية : وتهتم بطريقة إدراك العالم الخارجي وبالوجود الذهني الذي ينحصر فيه ويترأس هذا الاتجاه الفرنسي "ستيفان مالارميه " .
- الرمزية الباطنية : وهي تسعى إلى اكتشاف العقل الباطن وعالم اللاوعي " اللاشعور"

كما ذهب البعض إلى تقديم أقسام أخرى للرمزية مثل :
أ‌- الرمزية الشعرية : ويظهر هذا الاتجاه في الشعر الغنائي والشعر التمثيلي حيث تسعى إلى إحداث حالة نفسية خاصة، والأداة الأولى عنده للفعل الشعري هي "الكلمة" لتصبح واقعا ملموسا تلونها حروفها الصوتية وتصنع فيها الحياة حروفها الساكنة ، فالعمل الأول للشاعر عندهم هو إعطاء معنى أكثر صفاء للكلمات .
ب‌- الرمزية الموضوعية : حيث يلجأ الأدباء إلى معالجة المشاكل الإنسانية والأخلاقية بواسطة الخيال وبذلك تكون بعيدة عن مشاكل الواقع الحياتي ، فهي ترمي إلى تجسيد الأفكار لإيضاح الحقائق الفلسفية والأخلاقية .
5- أثر المذهب الرمزي في الأدب العربي الحديث
كان للترجمة التي قام بها عدد من الأدباء ، ولا سيما تلك التي قامت بنشرها مجلات عربية مشهورة مثل : المقتطف والمكشوف والرسالة والأديب ... أثر واضح في نقل الآداب الغربية التي أخذت بأساليب المدارس الأدبية .
وقد مهد لهذه الترجمات الإطلاع المباشر على اللغات الأوروبية والأمريكية إثر الهجرات التي قام بها عدد من اللبنانيين والسورية إلى بلاد الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية .
لقد لقيت الرمزية اهتماما من الشعراء العرب وانتشرت على أوسع نطاق . ولم يكن ظهور الرمزية في أدبنا خاضعا لنفس الظروف التي نشأت في كنفها الرمزية في الأدب الغربي .

ومن مظاهر ذلك الرمزية الجزئية لـ جبران خليل جبران خاصة في قصيدته "المواكب" التي اعتمدت في بعض صورها على تراسل الحواس كما في قوله :
هل تحممـت بعطـر وتنشـفـت بنـور
وشربت الفجر خمرا في كؤوس من أثير

وفيه انتقال الحس اللمسي "الاستحمام" مكان الحس الشمي "العطر" والحس البصري "النور" مكان الحس اللمسي "التنشف" والحس الذوقي "الشرب" مكان الحس البصري . وهذا لا يحقق لجبران رمزية كلية .
لقد أجمع الدارسون لرمزية الأدب العربي أن "أديب مظهر" توفي 1928 أول شاعر في العربية أدخل شرارة الرمزية الحقيقية إلى اللغة العربية مع قصيدته المسماة (نشيد السكون) وكان يقدّر له أن يبرز إلا أن الموت عاجله وهو في السادسة والعشرين من عمره كما برز الشاعر اللبناني سعيد عقل "1818-1916" مؤسس صحيفة (البرق) وقد قتلته الأتراك نتيجة مواقفه السياسية المتشددة ، وهو من أوائل الأدباء العرب نقلا للرمزية الغربية . كما يرى أن الشعر يجب ألا يخبر بل يؤمن ويوحي ويلمّح وأصرّ على الإدراك اللامنطقي والحدسي للعالم ، كما اعتبر أن الشعر موسيقى قبل أن يكون فنا فكريا . ومن الرمزيين أيضا: (يوسف غصّوب ، جورج صيدح ، إيليا أبو ماضي) . وبعد سنة 1950 شاعت في الشعر العربي حركة جديدة تنتمي إلى الرمزية من أبرز أعلامها : من العراق (بدر شاكر السيّاب ، عبد الوهاب البياتي ، سعدي يوسف ، نازك الملائكة ) ومن لبنان (خليل الحاوي ، يوسف الخال ، أدونيس) ومن مصر (صلاح عبد الصبور) .



المذهب الأدبي هو إتجاه في التعبير الأدبي يتميز بسمات خاصة ويتجلى فيه مظهر واضح من التطور الفكري...... وهو لاينشأ عادة من تباين الأراء حوله حقبة من الزمن , وإن كان ذلك من شأنه أن يؤدي الى بلورة هذا الأتجاه الجديد في التعبير , وإنما يكون وليد مايضطرب في عصر بعينه من تغيرات في أوضاع المجتمع وطابع الحياة ...أذن في عصر معين كثمرة لظروف ومقتضيات خاصة فيطغى على غيره من المذاهب ويظل سائدا حتى إذا فترت دواعية رأيناه يتخلى تدريجيا عن سيطرته أمام مذهب أدبي جديد تهيأت له اسباب الوجود , وإن كان ذلك لايعني بحال أن آثار المذهب القديم تختفي كلية من الأدب ...

والمذاهب الأدبية على إختلاف ألوانها هي تعبيرات أدبية متميزة تقوم على دعائم من العقل والعاطفة والخيال ...... وقد يتاح لإحدى هذه الدعائم في عصر من العصور غلبة وسلطان , فإذا هي مذهب أدبي سائد يستعلي على غيره من مذاهب التعبير , وعلى هذا تتعاقب المذاهب الأدبية بتعاقب العصور ...... ويأخذ اللاحق ماترك السابق مع النقص منه أو الزيادة عليه تبعا لأوضاع المجتمع في عصره ...


وهناك اربعة مذاهب ادبية على التوالي
:

المذهب الكلاسيكي
المذهب الرومانسي
المذهب الواقعي
المذهب الرمزي


قد ظهرت بعض المذاهب في وقت متقارب ولكن لم تسد على الساحة الأدبية إلا بعد فتور دواعي المذهب الذي قبله , وهذا لايعني نهاية المذهب الذي قبله بل هو لازل موجود ولكنه لايعتبر المذهب السائد , وقد نجد بعض الأدباء يجمع في أدبه مذهبين أو أكثر .


المذهب الكلاسيكي
يعد الدارسون القرن السادس عشر الميلادي تاريخا لظهور المبادئ الكلاسيكية للأدب ونقده والقرنين السابع عشروالثامن عشر تاريخا لإزدهارها والقرن التاسع عشر تاريخا لإنسحابها أمام هجوم الرومانسية..

وهناك أراء عديدة في أصل كلمة (كلاسيكي ) ويبدو أنها مرت بتطورات عديدة وكان لها بكل طور معنى خاص فالأصل الذي أخذ عنه (كلاسيكي ) يعني الأسلوب ثم أطلقت على القطعة الواحدة الأسلوب بعدها أصبحت تدل على الوحدة لأي شيء ثم استخدمت لدلالةعلى المرحة الجيدة في الأسلوب الرفيع الذي يدرس في المدارس واخيرا صارت لها المذهب الكلاسيكي الذي ندرسه وتحديدا ظهرت الكلاسيكية اساسا في إيطاليا ولكنها نضجت في فرنسا حيث بنيت قواعدها وأنتج الأدباء أدبا وفق هذه القواعد , وانتقلت الى انجلترا والمانيا , ولذلك ندرس أصول هذا المذهب الثلاثي الفرنسي والإيطالي وفي إنتاج أعلامه غالبا ويمكن إيجاز اهم مبادئ الكلاسيكية في :

1) يمجد الكلاسيكيون الادبين الروماني واليوناني ويعدونهم نماذج للأدب الرفيع ويعملون ويعمدون على تطبيق القواعد النظرية والأدبية التي سادت بها ولاسيما القواعد التي قررها أرسطو في كتابيه
( فن الشعر ) و(فن الخطابة) مع مرعاة مايقتضية العصر من فروق وخلافات.

2)يدعو الكلاسيكيون الى نزعة عقلية متشددة , والعقل اساس فلسفة الجمال وهو مصدر القواعد الأخلاقية ومايقرر العقل صلاحة فهو كذلك , ويطبقون هذه النزعةعلى العمل الأدبي في إبتكاره وصياغته ونقده ونتيجة لذلك يطالبون الأدباء بما يلي :
_ التقيد بالقواعد والأنظمة التي يقررها النقاد لهذا المذهب كقاعدة فصل الأجناس الأدبية وقاعدة الوحدات الثلاث في المسرح ( الزمان والمكان والحدث )

_ ضبط خيال الأدب وتقييده في حدود تتوافق مع العقل ومنعه من الأنطلاق في عوالم غير مألوفة في نطاق المعرفة الكلاسيكية.

_احترام القوانين ولأعراف والتقاليد الأجتماعية السائدة وعدم التعرض لها أي كان مبادؤها وآثارها على الناس والأدب.

_ربط الأدب بالمبدأ الخلقي وتوضيفه في الغايات التعليمية فعلى الأدب أن يغلب الخير والشر دائما ويعلم الناس شيئا مفيدا.

3) التعبير عن المواقف الأنسانية العامة التي يشترك فيها سائر الناس كالأحياء والقدوة الحسنة والكراهية

4) الاهتمام بالطبقات العليا في المجتمع واحتيار روائع الأدب من حياة العصور والنبلاء والقادةولاأستفادة من التاريخ القديم وأحداثه وقلة الأهتمام بالطبقات الشعبية العامة

5)العناية الكبرى بالأسلوب والحرص على فصاحة اللغة وأناقة العبارة ومخاطبة جمهور مثقف غالبا

6)الأهتمام بالمسرح أكثر من الشعر الغنائي لمقدرته على تجسيد العواطف النفسية العامة وامكانياته الواسعة في التوجيه والتعليم وتناسبه مع الأتجاه العقلي الذي يتميز به الكلاسيكيون وتكتب المسرحيات الكلاسيكية شعرا.


2- االمذهب الرومانسي


شتق مصطلح الرومانسية من كلمة رومان , وكانت تعني في العصور الوسطى حكاية المغامرات شعرا ونثرا وقد دخلت هذه الكلمة الى اللغة الانجليزية بهذه الدلالة ثم أصبحت مصطلح يدل على مجموعة هذه الصفات ثم أصبحت تتصف بها بعض الأعمال الأدبية كالعاطفة الشديدة والغرابة ثم اصبحت اسما لهذا المذهب الأدبي الذي يضم هذه الصفات وصفات اخرى .

خلال سيطرة الكلاسيكية على الأدب ونتيجة لتشددها في تطبيق قواعدها المقررة ظهرت في أنحاء متفرقة من اوربا دعوات الى التحرر منها والتفلت من قيودها العقلية الصارمة مثل الدعوة الى العقلية المتشدده وظهرت أعمال أدبية لاتنضبط بقواعدها وفي أواخر القرن الثاني عشر الميلادي كثرت الأنتقادات الموجهه اليها وتهيأت عوامل أخرى تشجع الأتجاه المناقض لها واهمها عاملان :

1- ظهور تيار فلسفي يدعوا الى الأنطلاق بالفكر والتحلل من جميع الظوابط والمفهومات كالتقارير الاجتماعية والقواعد الدينية مع نقد الأسس الفلسفية والاجتماعية التي تقوم عليها الكلاسيكية ويقوم على هذا التيار فلاسفة منتشرون في أوربا واهمهما جان جاك روسو وهيجل و شاهتور و داليان

2- اضطراب الضروف الأجتماعية والسياسية وما خلفه هذا الاضطراب من أثر فما شهدته أوربا في هذا القرن أي الثاني عشر من أحداث كثيرة أهمها الثورة الفرنسية والحروب الطاحنة بين الدول الأوربية والصراع على المستعمرات وحروب نابليون بونا برت ونتيجة عن هذه الحروب من اضطرابات فكرية زادت من حدتها موجات الألحاد المتزايدة وقد ترك ذلك في نفوس الأوربين قلقا شديدا وشعورا بالمرارة وخيبة الأمل وانتشر بينهم مايسمى اصطلاحا مرض العصر وهو احساس حاد بالكآبة وضيق شديد من الواقع المعاش وبحث عن مخرج منه , وقد تفاوتت آثارها في هذه الشعوب واختلفت كذلك في أدبهم وظهرت رومنسيات مختلفة ولكنها تجتمع على عدد من الخصائص المشتركة تجعل من الممكن ان نظر الى رومانسية غربية موحدة .

مبادئ الرومانسية : _

1- رفض المبادئ الكلاسيكية للأدب ومخالفتها على وجه العموم ويتمثل ذلك في التالي :

• رفض تفوق الأدبين اليوناني والروماني أو أعتبارهم النموذج الأعلى للأدب والدعوة الى الأهتمام بالأداب القومية واستيحاء التراث المحلي

• رفض الأنضباط والتقيد بالقواعد الكلاسيكية أو المقررة كقاعدة الوحدات الثلاث ومنع الفعل العنيف في المسرح وقاعدة فصل الأجناس الأدبية

• رفض النزعة العقلية ومايترتب عليها

• رفض الأسلوب الكلاسيكي المتأنق والدعوة الى الأسلوب السهل المرسل

• رفض إرتباط الأدب بالمبدأ الأخلاقي

- ربط الأدب بالعاطفة والوجدان واعلان المشاعر الذاتية والذوق الفردي وارجاع مصدر الجمال الى الذوق وليس الى العقل كما هو عند الكلاسيكيون.

3- تعظيم شان الخيال وأطلاق حريته في ارتياد الأفاق التي يريدها .

4- الهروب من الواقع ومشكلاته السياسية والأجتماعية

5- الأفتتان بالطبيعة والعوالم الغريبة والأحلام

6- التعلق بالحزن والتلذذ بالألم واعتباره فلسفة تطهر النفس وتنشر الأحساس بالكآبة أو مكان يطلقون عليه مرض العصر .

7- التعلق بمعتقد تأليهي غامظ يجعل محور التدين الاساسي هو العاطفة والقلب الطيب ويقلل من أهمية الأثم الفردي ويخفف المسؤلية الفردية ويحملها المجتمع وقد كثرت لهذا في أدبه صور البغي الفاضلة واللص الشريف والمجرم الطيب السريرة .


3- المذهب الواقعي

ترتبط نشأة المذهب الواقعي الذي أعقب الرومانسية انتشار الفلسفات الوضعية والتجريبية والمادية الحديثة في أوربا , وقد أمتد تأثير هذه الفلسفات الى الفنون والأداب في أبان القرن التاسع عشر الميلادي ومن ثم ظهرت الدعوة الى الأستفادة من معطيات العلم الحديث والى الأهتمام بالواقع وتطويرة وتطبيق النظريات العلمية في اصلاحة وفي فهم الأنسان وفضائلة وتوجيه الفن الى خدمة المجتمع وتقوية روح التعاون بين الناس .

ونتيجة لذلك أهتم عدد من الأدباء بتصوير الحياة الأجتماعية وبالطبقات الدنيا التي أعرض عنها الكلاسيكيون ونسيها الرومانسيون , وتكون من أعماله الأدبية ومن الدراسات النقدية التي نشأت حولها ماسمي بالمذهب الواقعي بمدارسه النقدية المتعدده , وذلك لان رواد هذا المذهب يتفقون في مبادئ رئيسية محددة ومبادئ واخرى الأمر الذي جعل الواقعية تنتسب الى واقعيات حديثه وأهمها :

الواقعية الإنتقادية ـــ و الواقعية الطبيعية ـــ والواقعية الأشتراكية . وسوف نتناولها إنشاء الله بالتفصيل .

الواقعية الإنتقادية:
تهتم هذه الإنتقادية بقضايا المجتمع وتركز اهتمامها بشكل خاص على جوانب الفساد والشر والجريمة فهي تنتقد المجتمع في إظهار تناقضاته وعيوبه وعرضها على الناس وتميل هذه الواقعية الى التشاؤم وتعتبر الشر عنصرا اصيلا للحياة ولذلك تبحث عنه وتتخذ مادتها من واقع الحياة الإجتماعية , وتختار لها هذه الشخصيات وترتيبها وفق معطيات العمل الأدبي , وتعد القصة مجال الواقعية الإنتقادية الأكبر وتليها المسرحية فمعظم إنتاج الواقعيين الإنتقاديين قصص وروايات , ومن أشهر قصصهم رواية الملهاة الانسانية .

الواقعية الطبيعية:
تتفق هذه الواقعية مع الواقعية الإنتقادية في مبادؤها وتزيد عليها في تأثرها الشديد بالنظريات العلمية ودعوتها الى تطبيقها في المجلات الأنسانية وإظهارها في العمل الأدبي , فالإنسان في تصور هذه الواقعية حيوان تسيره غرائزة وحاجاته العضوية ولذلك فإن سلوكه وفكره ومشاعره هي نتائج حتمية لبيئته العضوية ولما تقوله قوانيين الوارثه وأما حياته الشعورية والعضلية فظاهرة طفيلية تتسلق على حقيقته العضوية , وكل شيء في الأنسان يمكن رده الى حالته النسبية وأفرازات غدده وفي هذا التصور نفهم الواقعية الطبيعية وغرضهم في الأدب .

ويعد القصاص الفرنسي ابن زولا رائد هذه الواقعية , وقد كتب قصته الشهيرة الحيوان البشري وليطبق نظريات الطب في الوراثة على أبطال القصة من أجل أن يثبت أن سلوك الأنسان ومشاعره وفكره نتيجة طبيعية , ومن كتبها أيضا فروبير , صاحب القصة الشهيرة مادام موفاري وقد ترجمها الى العربية دكتور محمد مندور.

الواقعية الأشتراكية:
تجسد هذه الواقعية الرئية الماركسية و الفلسفة المادية ويرى أنصارها أن الأدب مبني على الجانب المادي الأقتصادي في نشأته وميوله ونشاطه وأنه يؤثر في المجتمع بوجه خاص , ولذلك ينبغي توضيفه في خدمة المجتمع وفق الماركسيات الجديدة وتقوية هذه المفاهيم وأن يهتم الأديب في أثاره ومؤلفاته بطبقات الدنيا لاسيما طبقة العمال والفلاحين وأن يصور الصراع الطبقي بينهم وبين الرأس ماليين والأرجوازيين , وأن يجعل الرأس ماليين والأرجوازيين مصدر الشرور في الحياة , فيبينها ويكشف عيوبها وينتصر لطبقة العمال والفلاحين ويظهر مافيها من جوانب الخير , ومن هذه الزاوية يعد الواقعيون الأشتراكيون مذهبهم متفاعلا وأنه مرجحا لجوانب الخير ويتصورون أن ماركسيتهم سوف تحكم العالم وتحل تناقضاته ويطالبون الأدباء أن يبثوا هذا التصور في الأعمال الأدبية , وبديهي أنهم يرفضون أي تصورات ترتبط بالعقائد السماوية ويعدونها متخلفه وينشرون هذا التصور في قصصهم ومسرحياتهم .

وقد قرر الأتحاد السوفيتي والصين وبقية الدول الشويعية إعتبار هذا المذهب هو المذهب الرسمي للأدب فيها وكان ميدان هذا المذهب الأساسي هو القصة ثم دخل إلى المسرحية و إلى الشعر ثم بقية الأجناس الأدبية كلها وطالب الأدباء أن يلتزموا في كتاباتهم بالمضمون والأهداف الأشتراكية
4- المذهب الرمزي

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تجمعت عوامل عقدية واجتماعية وفنية وثقافية وتعاونت على إنضاج هذا المذهب في فرنسا على يد جماعة من الشعراء أشهرهم (بولدير) و (رامبو) والعوامل هي :

- العوامل العقدية فهي الشعور الحاد بالفراغ الروحي الذي يعيشه الفرد الأوربي , والصدمة التي أصيب بها نتيجة إخفاق النزعة العلمية في سد فراغه الروحي وتعويضه عن العقيده الغائبة , والشطط الذي بلغته الفلسفه الوضعية فقد أمددت هذه الفلسفة الفنون والأداب بتصورات مادية جافة عن الأنسان والحياة , وجعلت الأنسان بنية عضوية تسيرها الغرائز والعقد , وألغت كيانه الروحي وقطعت صلته بالله تعالى , وحولت الحياة الى مجموعة قواعد وأنظمة بشرية جافة تنظم العلاقات بين الناس تنظيما عقليا ماديا محظا .

2- وأما العوامل الأجتماعية فهي التناقضات التي كان يعيشها رواد الرمزية في مجتماعاتهم فقد أحسوا بالنفور من أنظمتها وقوانينها التي تحول دون تمتعهم برغباتهم الجامحه واتهموها بالتقصير في حرية الأنسان وأرهاقه فتخالفه دون هواده أو تقصير .

3- وأما العوامل الفنية فهي البحث عن أسلوب فني جديد في التعبير فقد كرهوا رواد الرمزية التعبير المباشر الواضح ونفروا من أساليب الواقعيين وادعوا أنها تعجز عن نقل أحاسيسهم وأن اللغة ذاتها عاجزة عن نقل التجربة الشعورية العميقة ولذلك ينبغي إيجاد مدرسه توحي بأثر هذه التجربة وينقل أثرها إلى القائل .

4- وأما العامل الثقافية فهي تأثرهم بكتابات الكاتب الأمريكي ( أدجار الان بو ) وأسلوبه الرمزي المتميز وتأثره من جانب أخر بالفكرة التي تتحدث عن عالم المثل , وكان أفلاطون هو أول من صاغ هذه الفكرة في فلسفته.


وقد تعاونت هذه العوامل الأربعة على إخراج المذهب الرمزي الى حيز الوجود , وكان مثاله الكبير هو الشعر الفرنسي ثم تأثر بها شعراء في بلاد غربية أخرى , وعلى الرغم من ظهور مسرح الرمزية وقصص الرمزية فإن الشعر هو الذي جسد مبادئ الرمزية الغربية وأصولها بشكل كامل .



أهم مبادئ الرمزية : _

1- رفض النزعة العليمة والروح الواقعية التي تعلقت في الأدب آنذاك .

2- الهروب من الواقع والتعالي عليه وعدم الأهتمام بمشكلاته السياسية والأجتماعية .

3- البحث عالم مثالي مجهول يشد فراغه الروحي ويعوضه عن غياب العقيده والتعلق به ومن ثم الأخلاص له .

4- رفض التعبير المباشر والواضح والدعوة إلى التخلي عنها في الأنتاج الأدبي.

5- الأعتماد على أساليب تعبيريه جديدة للإيحاء بالمعنى والأحاسيس مثل تراسل الحواس أي وصف مدركات كل حاسة من الحواس بصفات ومدركات الحاسة الأخرى كأن يسمع المشموم , ويعطي المسموعات ألوانا والمشمومات أنغاما وتصبح المرئيات عاطلة ........ الخ , إضافة الى استبعاد الصفات المتباعده لتشخيص كقولهم الضوء الباكي مما يطفي على الصورة شيء من الغموض وكذلك الأكثار من الصور الجزئية وتجميعها حول محور رئيسي بكثافة والخروج على الأوزان والصيغ النحوية .

6- الأهتمام بإيقاع الألفاظ والعلاقة بين الأصوات للإيحاء بالمعنى وربط الشعر بالموسيقى لتوليد أثر الجمال من تناغم الحروف
.

شحن السلع مجاني

الشراء عبر الإنترنت - وطرق شحن معتمدة

حجز السلع عبر الإنترنت