الخميس، 8 يناير 2026

مقاتلة JF-17 ونقل التكنولوجيا والمحور الجديد في الشرق الأوسط

أثار إعلان نية السعودية شراء مقاتلات JF-17 Thunder بقيمة تقارب 4 مليارات دولار، مع توقع منح جزء منها لكل من اليمن والسودان والصومال وسوريا، نقاشًا واسعًا في المنطقة. القضية لا تتعلق فقط بتعزيز القدرات العسكرية، بل تفتح الباب أيضًا أمام ملف حساس وهو نقل التكنولوجيا العسكرية.

طائرة JF-17 هي نتاج تعاون مشترك بين باكستان والصين، وقد صُممت منذ البداية كمقاتلة متعددة المهام بتكلفة أقل ومرونة أعلى مقارنة بالمقاتلات الغربية. هذه الخصائص جعلتها خيارًا جذابًا للدول النامية التي تسعى لبناء قوة جوية دون الارتهان الكامل للغرب.

في التصور المطروح، تلعب السعودية دور المشتري الرئيسي ومركز التوزيع الإقليمي. هذا الدور يمنح الرياض قوة تفاوضية كبيرة لربط صفقة الشراء بحزم نقل تكنولوجيا محدودة كجزء من العقد.

النموذج الواقعي لنقل التكنولوجيا يقوم على آلية متدرجة، بحيث تكون السعودية أو ربما اليمن أو السودان مراكز رئيسية. في هذا الإطار لا يتم توزيع التكنولوجيا على جميع الدول المستفيدة، بل تُركَّز في منشآت صناعية وعسكرية محددة داخل السعودية.

يمكن للسعودية الحصول على صلاحيات التجميع النهائي، والصيانة على مستوى المستودعات، وإنشاء مركز إقليمي للصيانة والإصلاح والتحديث لمقاتلات JF-17. كما يمكن أن تكون برامج تدريب المهندسين والفنيين والطيارين مركزية لضمان الانضباط والمعايير الأمنية.

أما الدول المستفيدة مثل اليمن والسودان والصومال وسوريا، فسيكون دورها تشغيليًا بالدرجة الأولى. ستحصل هذه الدول على طائرات جاهزة، ودعم لوجستي، وتدريب أساسي، دون الوصول إلى التقنيات الحساسة.

يُنظر إلى هذا النهج على أنه الأكثر أمانًا من الناحية الجيوسياسية. فباكستان والصين أكثر استعدادًا لنقل تكنولوجيا محدودة إلى السعودية مقارنة بنقلها مباشرة إلى دول تعاني من عدم الاستقرار الأمني والسياسي.

بالمقارنة مع النماذج الغربية، يتمتع برنامج JF-17 بمرونة أكبر. فالولايات المتحدة، مثلًا، تفرض قيودًا صارمة على نقل التكنولوجيا في برامج مثل F-16، وحتى أعمال الصيانة غالبًا ما تكون مقيدة بمراكز معتمدة أمريكيًا.

في حالة مقاتلة رافال الفرنسية، يكون نقل التكنولوجيا أوسع نسبيًا، لكنه عالي التكلفة ومقيَّد أيضًا بمجالات محددة، بينما تبقى أنظمة التسليح والإلكترونيات الأساسية تحت سيطرة الشركة المصنعة.

تُعد مقاتلة غريبن السويدية الأكثر تقدمًا في ملف نقل التكنولوجيا، كما حدث مع البرازيل، لكن هذا النموذج يتطلب استقرارًا سياسيًا وقدرات صناعية والتزامات طويلة الأمد، وهي شروط صعبة التحقيق في دول النزاع.

تقف JF-17 في منطقة وسط بين هذه النماذج، إذ توفر نقل تكنولوجيا عمليًا في مجالات الصيانة، ودمج الأسلحة غير الاستراتيجية، والتدريب الصناعي، دون المساس بشيفرات الرادار أو تقنيات المحركات الحساسة.

بالنسبة للسعودية، ينسجم هذا التوجه مع رؤية 2030 التي تستهدف توطين الصناعات الدفاعية. التحكم بسلاسل الصيانة والدعم الفني يمنح المملكة قيمة استراتيجية طويلة الأمد، خاصة في ظل تنامي محور إسرائيل–الإمارات في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا.

أما بالنسبة لليمن، فالأثر سيكون غير مباشر لكنه مهم. حتى دون الحصول على نقل تكنولوجيا كامل أو دور كمركز إقليمي، يمكن لليمن إعادة بناء قوته الجوية وفق معايير أكثر تنظيمًا واحترافية.

كما يمكن لليمن الاستفادة من مراكز التدريب الإقليمية في السعودية، ما يقلل من الاعتماد على نماذج قديمة ومجزأة كانت سائدة في السابق.

لكن نجاح هذا التصور مرتبط بشكل وثيق بإصلاح قطاع الدفاع في اليمن. فبدون المهنية والشفافية والرقابة المدنية الفعالة، سيكون من الصعب تحقيق الفائدة القصوى من هذه المنظومات الحديثة.

لذلك، ينبغي أن يترافق تعزيز القدرات العسكرية مع إصلاحات مؤسسية حقيقية. تحديث السلاح يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع تحديث الإدارة والقيادة.

إقليميًا، تعكس هذه الخطوة توجهًا سعوديًا لتنويع الشراكات الاستراتيجية. فالرياض لم تعد تعتمد كليًا على المنظومات الغربية، بل تتجه لبناء محور صناعي جديد مع باكستان والصين.

وبالنسبة لباكستان والصين، تفتح هذه الصفقة سوقًا واسعًا وتعزز نفوذهما الجيوسياسي في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

في المقابل، تحصل الدول المستفيدة على قدرات دفاع جوي أفضل دون الأعباء السياسية الثقيلة التي ترافق السلاح الغربي، ما يجعل JF-17 أداة استقرار أكثر من كونها أداة تصعيد.

في النهاية، تعكس صفقة JF-17 مع نقل تكنولوجيا محدود تحولًا في النهج. فالأمر لا يقتصر على شراء طائرات، بل يتعلق ببناء منظومة دفاع إقليمية أكثر استقلالًا وانضباطًا وواقعية في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة.

التاريخ الطويل للمساعدات العسكرية السعودية

ليست السعودية لاعبًا جديدًا في تقديم الدعم العسكري لحلفائها. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، انتهجت الرياض دبلوماسية دفاعية تقوم ليس فقط على تقديم التمويل، بل أيضًا على شراء الطائرات والأسلحة مباشرة لصالح الدول الصديقة.

خلال الحرب الباردة، دعمت السعودية اليمن الشمالي لتعزيز قدراته العسكرية في مواجهة نفوذ إقليمي وأيديولوجي منافس، وشمل ذلك صفقات سلاح ودعمًا لوجستيًا طويل الأمد.

كما قدمت السعودية دعمًا مشابهًا للبنان خلال فترات الأزمات السياسية والأمنية، مستفيدة من قوتها المالية لدعم مؤسسات الدولة والحفاظ على التوازن الإقليمي.

وشملت هذه السياسة أيضًا المغرب والأردن، حيث تم تقديم المساعدات العسكرية أحيانًا بشكل غير معلن عبر عقود شراء سلاح مولتها الرياض.

العراق بدوره شهد هذا النمط في مراحل معينة من التوتر الإقليمي، إذ رأت السعودية أن استقرار الحلفاء جزء لا يتجزأ من أمنها الوطني.

ومن الجوانب التي كثيرًا ما يتم تجاهلها دعم السعودية لباكستان. ففي السبعينيات، ساهمت الرياض في تعزيز سلاح الجو الباكستاني، بما في ذلك المساعدة في شراء مقاتلات J-6 الصينية.

يعكس هذا المسار اعتماد السعودية منذ وقت مبكر على “دبلوماسية الشيكات” كأداة استراتيجية، معتبرة أن تسليح الحلفاء أكثر فاعلية من نشر قواتها خارج الحدود.

اليوم، تعود هذه السياسة إلى الواجهة ولكن في سياق جيوسياسي مختلف. فخطط شراء الطائرات وتوزيعها على الحلفاء تُعد امتدادًا لتقليد قديم بصيغة جديدة.

الاختلاف أن المنطقة تشهد حاليًا تصاعد محور إسرائيل–الإمارات، مع تعاون عسكري وأمني متزايد أعاد تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

في هذا المشهد، لا تمثل السياسة السعودية مجرد مساعدة عسكرية، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الرياض ما زالت لاعبًا محوريًا في أمن المنطقة، مستندة إلى تاريخ طويل من توظيف الدعم العسكري كوسيلة نفوذ واستقرار.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شحن السلع مجاني

الشراء عبر الإنترنت - وطرق شحن معتمدة

حجز السلع عبر الإنترنت